تأصيل فقهي لحكم (صلاة المتباعدين)

تأصيل فقهي لحكم (صلاة المتباعدين)

بسم الله الرحمن الرحيم

تأصيل فقهي لحكم (صلاة المتباعدين)

اضغط هنا للتحميل

 

 

الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله غيره، وأن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد:


فقد كثر التساؤل عن حكم ((صلاة المتباعدين)) التي أُحدثت في هذا الزمان، خشية تفشي هذا الوباء (كورونا1441).
وقد اختلف العلماء في حكمها؛ بين مجيز ومانع، وللبيان - لا للفتوى – رأيت أن أؤصّلها تأصيلاً فقهياً.. بذكر ما لها وما عليها؛ من وجوه الإشكالات بين المجيزين والمانعين، لمعرفة المصالح والمفاسد، وتنزيل القواعد الأصولية عليها، من ذلك؛ ارتكاب أدنى المفسدتين بدفع أعلاها..
وسيكون البحث في النقاط التالية:

الأولى: تعريف صلاة المتباعدين أو التباعد: 
هي: صلاة جماعة، يقف فيها المأمومون خلف الإمام متباعدين، بعضهم عن بعض، ذراعين فأكثر، خشية انتقال عدوى هذا الوباء؛ الذي عمّ الأرض.

 

الثانية: إشكال تراصّ الصفوف، وهيئة الجماعة:
قال المجيزون: اختلف العلماء في حكم تسوية الصفوف بين سنة وواجب، وإن كانت واجبة، فترك الواجب جائز عند الضرورة، (فلا واجب عند عجز، ولا حرام عند ضرورة)، حسب القاعدة الفقهية.
ورصّ الصفوف وتسويتها -إن كان واجباً- ففعله خارج الصلاة، وما كان كذلك فلا يؤثر في صحتها..
لذا؛ كان أداء الصلاة بترك سنة أو واجب بالتباعد للوقاية من شر الوباء، خير من هجر بيوت الله تعالى.
قال المانعون: الجواب عن هذا من أربعة وجوه: 
الأول: أن تراصّ الصفوف وإقامتها واجب قطعاً, لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، والأمر يقتضي الوجوب، وبخاصة إذا كان في تركه وعيد.. فقد توعد الله الذين يخالفون في الصف، بمخالفة قلوبهم.
فعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلاةِ وَيَقُولُ: «اسْتَوُوا, وَلا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ»(1).

وهو أمر عظيم الخطورة, لا يكون مثل هذه العقوبة لترك سنة.
وأمر صلى الله عليه وسلم بسد الفرج، وأخبر أن الشياطين تقف فيها بين المصلين، ودعا على من قطع الصفوف –بالمسافات-
فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: 
«أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ، وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَلَا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ، وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ»(2).
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
«رُصُّوا صُفُوفَكُمْ وَقَارِبُوا بَيْنَهَا وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهَا الْحَذَفُ»(3).
وفي رواية: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، وَتَرَاصُّوا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَرَى الشَّيَاطِينَ بَيْنَ صُفُوفِكُمْ كَأَنَّهَا غَنْمٌ عُفْرٌ»(4).
ومثل هذا الأمر لا يترك بسهولة، بل إذا بعدت المسافة، فإنه يخشى من فساد الصلاة.
يبين هذا الوجه التالي.
الوجه الثاني: النهي عن الانفراد خلف الإمام:
قال المانعون: ثم إن جاز ترك رصّ الصفوف لدفع مفسدة.
فما قولكم: بقوله صلى الله عليه وسلم: «فلا صلاةَ لفردٍ خلفَ الصفِّ»(5)، وهؤلاء المتباعدون كلهم خلف الصف، فاحتمال بطلان صلاتهم وارد.
قال المجيزون: لا نُسلم بهذا، فبعض الأئمة لم يأخذوا به، أو بظاهره، لاحتمال أن يكون النفي نفي كمال، أو نفي وجوب، لا نفي فساد.
قال المانعون: الحديث صحيح لا لَبْس فيه، وحسبك بتصحيح الإمام أحمد له، ودفاعه عنه، والعمل به، واحتج به ابن تيمية، ونصره ابن القيم وغيرهم(6).. وأما أن بعض الأئمة لم يأخذ بظاهره.. فلا حجة بقول طائفة من أهل العلم، إذا خالفتها طائفة، ويبقى الأقوى والأرجح.. من كان ظاهر الحديث معه.
ولو ذهبنا نحتج بقول طائفة من أهل العلم على طائفة مستغنيين عن النظر في الأدلة، فوالله ما استقام لنا علم، ولا تم لنا دين، فالحجة: بقول الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبخاصة إذا أخذ بهما طائفة من أهل العلم، وليست بقول الإمام أحمد أو بطائفة.. وإنما بالحديث وظاهره.. وأننا لم نتفرد بفهمه دون أئمتنا الكرام..
ومما يُؤكد صحة ظاهر الحديث؛ أن النفي للفساد، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المنفرد بإعادة الصلاة، ولو لم تكن صلاته باطلة، لما أمره بإعادتها (7)، مما يؤكد؛ أن التجمع والتقارب شرط لصحة صلاة الجماعة، وركن عظيم، وإذا كان الأمر كذلك.. أي؛ أن التباعد في الأصل يبطل الصلاة، لأن المؤمومين كلهم فرادى، فإن الصلاة مع جماعة في البيت، أو المحل بهيئتها الواردة، أسلم وأفضل اطمئناناً، وأحوط من احتمال البطلان.. إلا عند من لا يرى؛ أن التجمع لصلاة الجماعة شرط لصحتها، ويوضح هذا الوجه التالي:
الوجه الثالث: هيكلة الجماعة وهيئتها:
لجماعة الصلاة هيئة وهيكلة سنّها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتواترت عليها الأمة، وهو الاجتماع على الإمام، ورصّ الصفوف، في مكان واحد؛ جماعة مترابطة, فهل يبقى اسمها على مسماها في حال التباعد؟
فإن لم يُنف عنها اسمها جازت الجماعة بهذا التباعد، وإن انتفى عنها الاسم بهذا التباعد.. فلا تُشرع..
قال ابن تيمية: 
"فَإِنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ سُمِّيَتْ جَمَاعَةً، لِاجْتِمَاعِ الْمُصَلِّينَ فِي الْفِعْلِ، مَكَانًا وَزَمَانًا، فَإِذَا أَخَلُّوا بِالِاجْتِمَاعِ الْمَكَانِيِّ أَوْ الزماني مِثْلَ؛ أَنْ يَتَقَدَّمُوا أَوْ بَعْضُهُمْ عَلَى الْإِمَامِ، أَوْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ تَخَلُّفًا كَثِيرًا لِغَيْرِ عُذْر،ٍ كَانَ ذَلِكَ مَنْهِيًّا عَنْهُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا مُفْتَرِقِينَ غَيْرَ مُنْتَظِمِينَ، مِثْلَ؛ أَنْ يَكُونَ هَذَا خَلْفَ هَذَا، وَهَذَا خَلْفَ هَذَا، كَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْأُمُورِ الْمُنْكَرَةِ، بَلْ قَدْ أُمِرُوا بِالِاصْطِفَافِ، بَلْ أَمَرَهُمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِتَقْوِيمِ الصُّفُوفِ وَتَعْدِيلِهَا، وَتَرَاصِّ الصُّفُوفِ، وَسَدِّ الْخَلَلِ، وَسَدِّ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، كُلُّ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي تَحْقِيقِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى أَحْسَنِ وَجْهٍ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الِاصْطِفَافُ وَاجِبًا، لَجَازَ أَنْ يَقِفَ وَاحِدٌ خَلْفَ وَاحِدٍ وَهَلُمَّ جَرَّا.
 وَهَذَا مِمَّا يَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ عِلْمًا عَامًّا أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ صَلَاةَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ كَانَ هَذَا مِمَّا يَجُوزُ لَفَعَلَهُ، الْمُسْلِمُونَ وَلَوْ مَرَّةً، بَلْ وَكَذَلِكَ إذَا جَعَلُوا الصَّفَّ غَيْرَ مُنْتَظِمٍ، مِثْلَ؛ أَنْ يَتَقَدَّمَ هَذَا عَلَى هَذَا، وَيَتَأَخَّرَ هَذَا عَنْ هَذَا، لَكَانَ ذَلِكَ شَيْئًا(8) قَدْ عُلِمَ نَهْيُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْهُ, وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ... فَكَيْفَ تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِ الِاصْطِفَافِ".

 [مجموع الفتاوى (23/ 393)]

قلت: عظيم هذا التحرير.. من قبل من هذا النحرير الكبير، في تقرير هيئة الجماعة وهيكلتها الواجبة التي هي شرط لها.
وهل يدخل عذرنا اليوم فيما استثناه بقول: (بغير عذر).. أم قَصَدَ عُذراً لا يمكن تجاوزه؛ كجدار أو صخر، وما شابه ذلك.
فإن الجماعة لا تسمى جماعة؛ حتى تكون مجتمعة على صفة ما.. وصفة جماعة الصلاة التي أمر الله بها ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ أن يجتمعوا عليها، أن يكونوا وراء إمامهم مباشرة، مصفوفين بالهيئة المعروفة، متراصين بالطريقة المسنونة، مما هو شرط للجماعة، بل ركن فيها، ودونها تفتقد الجماعة مسمّاها بل شرطها وركنها.
ويؤكد هذا المعنى؛ أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بإعادة صلاة المنفرد -كما سبق بيانه- ولذا رأى بعض أهل العلم؛ أن هذا التباعد منكر.. فلا حاجة -إذن- لترك واجب، بل شرط وركن، وارتكاب منكر، ونحن نستطيع أداءها بلا ذلك.
قال المجيزون: أمّا أنه منكر، فلا نُسلم به، فإنا نفعله للحاجة.
وأما غير ذلك؛ من وجوب وجود المصلين في مكان واحد، مترابطين؛ فصحيح، لكن؛ نحن في حال اضطرارية.
الوجه الرابع: هل هيئة صلاة التباعد اضطرارية:
قال المانعون: لا نُسلم بالاضطرار... فحين النظر إلى صلاة التباعد، وقايةً من الوباء، لا نجد أنها صورة من صور الاضطرار.
فالاضطرار؛ هو العجز عن أداء واجب إلا في صورة معينة.. وأن لا مناص إلا بتلك الصورة.. فهذه الصورة هي الاضطرارية، وما دمنا نستطيع أداءها في صورة غيرها؛ كأدائها في البيت - مثلاً - دون تباعد، فبهذا خرجت من صورة الاضطرار التي يلزم أداؤها.. 

 

المسألة الثالثة: خُلُوّ بيوت الله بترك الصلاة فيها:
 قال المجيزون: إذا سلمنا لكم بما سبق، فإن من الوجوه الوجيهة لجواز صلاة التباعد-رغم الإشكالات التي فيها- هو إعمار بيوت الله, وبتركها ستخلو بيوت الله من العمارة، ونحن بأمس الحاجة إلى الصلاة، وإحياء بيوت الله في هذا البلاء العظيم.
أجاب المانعون: إن خلت بيوت الله من الصلاة التي فيها إشكالات وشكوك.. فإن الأرض لم تخلُ من العبادة في البيوت، والمحال التي تقام فيها الصلوات، وما يزال المسلمون في عبادتهم حتى يقضي الله أمره..
قال المجيزون: نحن بين حالات:
إما أن نصلي متقاربين، وفيها مفسدة تفشي الوباء، وضرر بالنفس.
وإما أن نصلي هكذا متباعدين.
وإما أن لا نصلي في المساجد، فتهجر بيوت الله، ويترك واجب الجماعة، وهي مفسدة عظيمة.
ولا شك؛ أن الصلاة مع التباعد في المسجد، أولى من تركها فيه، وأولى من التعرض للوباء حين رصّ الصفوف.. وصلاة التباعد أمر وسط بين مفسدتين؛ مفسدة هجر بيوت الله، ومفسدة التعرض للوباء.. ثم نحن نفعل هذا مضطرين.

المسألة الرابعة: تنقيح المناط، وتقرير حقيقة النزاع:


حين النظر إلى تأصيل النزاع في هذه المسألة، وتنقيح مناطها، لتظهر أدنى المفسدتين، حتى نفعلها.. ونجتنب أكبرهما.. 
نجد أن ثمة تنازعاً؛ بين (صلاة التباعد) في المسجد، مع (صلاة دون تباعد) في غير المسجد.
فصلاة التباعد؛ فيها مصلحة:
صلاة الجماعة الواجبة في المسجد.
إعمار بيوت الله، بإحياء شعيرة عظيمة من شعائر الاسلام توقفت منذ أشهر.
تجنب انتشار الوباء.
مَفْسَدَتُها:
تغيير صورة الجماعة بالتباعد.. التي هي بين واجب وشرط للجماعة، فخرجت بذلك عن كونها جماعة.
الخشية من بطلانها لانفراد المأمومين.
دخول الشياطين بين الصفوف.
دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على من قطع الصفوف.

الصلاة في غير المسجد، فيها مصلحة:
أداء واجب هيئة الصلاة التي هي شرط في أصح قولي العلماء، وتجنب احتمال فسادها، ومنع دخول الشياطين بين الفرج، وتجنب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على من قطع الصفوف.
رصّ الصفوف الواجب.
الاطمئنان في الصلاة بالبعد عن الإشكالات والشك، طاعة للرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ»(9).
ولا شك؛ أن ترك ما يريب إلى ما لا يريب، أبعد عن الريبة، وأفضل للاطمئنان..
السلامة من دخول الشياطين في الفرج بين الصفوف.
السلامة من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على من قطع الصفوف.
تجنب عدوى الوباء، بحال أكبر من حال حضور المسجد.
مَفْسَدَتُها:
ترك واجب صلاة الجماعة في المسجد، وخلو بيوت الله من العبادة.
 وكل ذلك لا يصل إلى الشرطية.
قلت: يبقى السؤال قائماً: أيهما أقل مفسدة.. لأجل فعلها، وأيهما أكبر مفسدة.. لأجل تركها..؟
وأيّما كان الجواب.. فالخلاف، لا يخرج عن دائرة (الخلاف المعتبر).

 

المسألة الخامسة: الخلاف المعتبر:
مهما بلغت العقول من النضج.. والأفهام من البصيرة.. فقد طُبع البشر على تفاوت التفكير، وتغاير التقدير، واختلاف قوة النظر.. لأجل هذا؛ لم يجعل الله العقل مرجعاً للتشريع.. ولا حَكَمَاً بين الخلق، وإنما جعله وسيلة عظيمة للفهم، وأداة مهمة للاستنباط والترجيح.. وشتان بين كونه مرجعاً وحاكماً، وبين كونه وسيلة للفهم، وأداة للترجيح.
وما أشبه هذا الخلاف وأمثاله؛ بخلاف الصحابة ٪ في غزوة بني قريظة, حين قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم:  «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»
«فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ العَصْر فِي الطَّرِيقِ- فأخذوا بظاهر النص- فقالوا: لاَ نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَلَوْ فَاتَنَا الوَقت.
-طاعة للرسول في ظاهر أمره -
ونظر بعضهم إلى مقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو ما يسمى اليوم بفقه المقاصد - فقالوا: بَلْ نُصَلِّي.. – أي: حيث حان الوقت – وقالوا: لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ – أي: لم يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم تأخير وقت الصلاة.. بل قصد تعجيل المسير، فصلوا في الطريق قبل الوصول إلى بني قريظة-(10). طاعة لله في قوله: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] 
فهذه الصورة تعدُّ من (الخلاف المعتبر).. فما هو (الخلاف المعتبر)، وما هي ضوابطه؟!

 

تعريف الخلاف المعتبر، وضوابطه:
الخلاف المعتبر: هو كل خلاف توفرت فيه الشروط التالية:
1-    خلاف في فهم الأدلة، واستنباط الحكم.
2-    المختلفون من أصحاب الأصول الصحيحة، في مرجعيتهم وعقيدتهم ومنهجهم. 
3-    مناط استدلالاتهم معتبر.
أي: أن مرجعيتهم وأدلتهم التي استشهدوا بها هي من الكتاب، وصحيح السنة، وصحيح القياس(11), لا أن طرفاً منهم يستشهد بحديث موضوع، أو بعقل سقيم، أو بفلسفة باطلة، أو بتزيين خادع, بل كلهم يستشهدون بنصوص صحيحة، لكنهم يختلفون في فهم الأدلة.
4-    المختلفون من أهل الاجتهاد.
وحين النظر في قضية الاختلاف في صلاة التباعد؛ نجدها ضمن (الخلاف المعتبر)، لتحقق شروطهِ فيها.
لذلك فرق الشرع بين أنواع الخلاف فمنه.. ومنه.. ومنه؛ ما كان خلاف فهم، وترجيح للنصوص، يُحترم فيه الرأيان، وهو ما يصلح تسميته بــ (الخلاف المعتبر).


المسألة السادسة والأخيرة: موقف المسلم من (الخلاف المعتبر):
يضطرب كثير من المسلمين في حال الخلاف بين أهل العلم، ويتساءلون.. ماذا نفعل؟
قلت: يصنع الخلاف قبل ذي بدء.. فإن كان الخلاف معتبراً كهذا الخلاف.
فإن كان المكلّف من أهل الترجيح, فيرجّح ما يراه صواباً, ويعمل به, ويحترم الرأي الآخر, ولا يستنكره.
على قواعد الخلاف المعتبر: 
    نُرجح ولا نُقبّح.. 
         نُصحّح ولا نُجرّح..
             ننصح ولا نفضح..(12)


فيأخذ كل واحد ما ترجح عنده، ولا يقبح الرأي الآخر(13).
ويبقى المسلمون مجتمعين غير متفرقين.. كما فعل الصحابة حين اختلفوا في الصلاة في غزوة بني قريظة –التي سبق ذكرها-.
ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه من الخلاف المعتبر.. فقد عذرهم الرسول في اختلاف فهمهم، ولم يعنف طرفاً منهم...
فإن كان ثمة وليّ أمر صالحاً من العلماء وغيرهم, فيقطع الخلاف، ويجمع الكلمة.
وأما إن كان المُكلَّف ممن لا علم عنده، ولا قدرة له على الترجيح.
فيتبع أولي الأمر من العلماء.. فإن لم يجد.
فيتبع الأكثر والأعلم والأتقى..
فإن اشتبه عليه الأمر، فيأخذ ما اطمأن إليه قلبه، من غير هوى يهواه، ولا مصلحة يتبعها.
ومن صور اطمئنان النفس؛ أن يصلي المرؤ مع الجماعة المتباعدة نفلاً وجوباً، أي: يجب أن يصلي معهم بنية النفل، لإجابة المؤذن التي أُمرنا بها.. ولعدم تفريق جماعة المسلمين، ثم يصلي الفرض مع جماعة بيته أو محله، إذ لا تتوقع العدوى، ويكون بهذا جمع بين الحسنيين؛ الصلاة مع جماعة المسلمين ولم يفترق عنهم, وفي الوقت نفسه، أدى الصلاة باطمئنان، دون إشكال ولا ريب، ولا تعرض للعدوى.                                                         
كذلك كان السلف يفعلون، حين يُؤخر الأمراء الصلاة، أو يسيئون فيها.. فيصلون معهم الصلاة نافلة، حفاظاً على كلمة المسلمين، ويصلون الصلاة لوقتها بشروطها وأركانها، حفاظاً على ركن عظيم في الإسلام، وهو فقه عظيم من هذه الثلة المباركة، لتحقيق ركنية الصلاة.. وإدراك كبير لمعنى الجماعة.. وخطورة التفرق.. مع جمعهم بين الخيرين، خير الصلاة.. وخير وحدة الصف، فما أحرانا.. بل ما أحوجنا.. أن نقتدي بهم.. وأن نتفقه بفقههم.
وهذا المبحث؛ لا يعدُ إلا بحثاً علمياً مقتضباً جداً، وليس فتوى.. ويرجع الناس في مثل هذه الفتاوى إلى أولي الأمر من العلماء.
وقد غلب على فتوى جواز (صلاة التباعد).. معظم هيئات البلاد الرسمية، وغيرهم من أهل العلم، والأخذ بفتواهم من العامة، وممن لم يترجح له الصواب يُبرئ الذمة، ويكون مع جماعة المسلمين حتى لا يتفرقوا..
والله الهادي إلى الحق فهو أعلم بالصواب.
سائلين الله أن يرفع هذا الوباء، وكل بلاء وفتنة عن المسلمين وعن البشرية أجمعين، إنه نعم المولى ونعم النصير.
والحمد لله على كل حال.

وكتبه
عدنان بن محمد العرعور
30 رمضان 1441هـ

 


 

(1) صحيح مسلم (432).


(2) صحيح، رواه أحمد (5724)، وأبو داود (666)، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود".


(3) صحيح، رواه أبو داود(667)، وصححه الألباني في "المشكاة"(1093). "قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَالْحَذَفُ غَنَمٌ صِغَارٌ سُودٌ".

[عون المعبود وحاشية ابن القيم (2/ 259)]


(4) صحيح، رواه أبو داود الطيالسي(2222)، انظر حديث رقم: (1194) في "صحيح الجامع". 
العُفْرَة: بياضٌ لَيْسَ بالنَّاصع، ولكنْ كلَون عَفَر الْأَرْضِ، وَهُوَ وجْهُها.                                       [النهاية في غريب الحديث والأثر (3/ 261)]


(5) عن عليِّ بنِ شَيبانَ رضي الله عنه، أنَّه قال: صليتُ خلفَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فانصرفَ، فرأى رجلًا يُصلِّي فردًا خلفَ الصفِّ، فوقَفَ نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم حتى انصرَفَ الرجلُ من صلاتِه، فقال له: «استقبلْ صلاتَك؛ فلا صلاةَ لفردٍ خلفَ الصفِّ»
صحيح، رواه ابن ماجة(1003)، وأحمد(26/ 224)، وابن خزيمة(3/30-1569)، وابن حبان(5/579-2202)، والبيهقي(3/105-5418)، وحسَّنه الإمامُ أحمد كما في "تنقيح تحقيق التعليق" لمحمد ابن عبد الهادي(2/34)، وحسَّن إسنادَه النوويُّ في "المجموع"(4/298)، وابنُ كثير في "إرشاد الفقيه"(1/176)، وصحَّح إسنادَه ابن القيِّم في "إعلام الموقعين"(2/259)، وأحمدُ شاكر في تحقيق "المحلى"(4/53)، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجة"(829).


(6) ذهب إلى بطلان صلاة المنفرد عمداً خلف الصف، ثلة من العلماء منهم؛ الحسن البصري، ورواية عن مالك، وأحمد، والحنابلة، وابن المنذر، وابن حزم، وأكثر أهل الظاهر، وابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني، والصنعاني، وابن باز، والألباني، وغيرهم كثير. 
[انظر: فتح الباري(5/17)، والأوسط لابن المنذر(4/207)، وشرح السنة للبغوي(3/378)، والإفصاح لابن هبيرة(1/54)]


(7) عن وابصةَ رضي الله عنه: «أنَّ رَجُلًا صلى خلفَ الصَّفِّ وَحْدَه، فأمَرَه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن يُعيدَ الصَّلاةَ»    
صحيح؛ رواه أبو داود(682)، والترمذي(230)"واللفظ له"، وابن ماجة(1004)، وأحمد(18003)، وحسنه أحمد كما في "المغني"(3/50)، والترمذي، وصححه ابن القيم في "أعلام الموقعين"(2/259)، والألباني في "صحيح الترمذي"(230)، وصحح إسناده أحمد شاكر في "شرح سنن الترمذي"(1/445).


(8) العبارة غير مستقيمة، ولعلها حسب مقتضى السياق (وكان ذلك شيئا) والله أعلم.


(9) صحيح؛ رواه الترمذي(2518)، وصححه الألباني في "المشكاة"(2773).


(10) صحيح البخاري(946).


(11) لم أذكر الإجماع، لأنه لو كان موجوداً، لانتفى الخلاف.


(12) هذه قواعد تربوية، ومصابيح ساطعة تنير للناشئة دربهم.. حتى لا يضلوا الطريق، في طريقهم لطلب العلم.. فينحرفوا نحو التكفير والتقتيل والإرهاب، والانشغال بالحكم على الرجال، عن طلب العلم وحسن الخلق ومعاملة الخلق.
مساكين أولئك الذين عابوا هذه القواعد، وشنعوا عليها وبدّعوا، قبل أن يسمعوا ويفهموا.. أيريدون أن تُربى الناشئة، 
على؛ كفّروا ولا تعذروا.. جرّحوا ولا تصححوا.. قبّحوا ولا ترجّحوا.. افضحوا ولا تنصحوا.. فجّروا ولا ترحموا.
عجيب أولئك الذين يتسرعون قبل أن يتثبتوا.. ويحكمون قبل أن يفهموا.. اللهم اهدهم فإنهم لا يفقهون.


(13) راجع محاضرة (فقه الائتلاف وأدب الخلاف)، للمؤلف، وفيها مسائل مهمة؛ عن أنواع الخلاف، والموقف من كل نوع، والفرق بين الخلاف الذي يمكن الائتلاف عليه، ويُسكت عن المخالف، والخلاف الذي لا يسكت عنه، ولا يؤتلف عليه.
 

تاريخ النشر : 24-06-2020 | التصنيف : الصلاة