حكم نقل الأضحية إلى بلدان المسلمين المحتاجة

السؤال :

سمعنا بعض أهل العلم يفتون بجواز نقل الأضحية إلى بلاد المسلمين المحتاجة, وبعضهم لا يرى جواز ذلك فنرجو منكم توضيح المسألة وبيان الراجح فيها؟

الجواب :

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد عبده ورسوله ‘. أما بعد: أداء الأضحية في البيت وشهودها سنة، ومن شعائر الإسلام ينبغي المحافظة عليها, لا يجوز إبطالها. ولكن لأحوال المسلمين الطارئة أحكام خاصة بها, فقد أباح رسول الله ‘ لأحد الفقراء حين ماتت ناقة أكلها(1)، واستقرض رسول الله ‘ - وقت حاجته للمال- الحيوان بحيوانين إلى أجل(2). واليوم في المسلمين تشرد، ومجاعات، وحصارات، وموت من الجوع.. فإذا كانت الأضحية في البيوت سنة.. أليس إطعام الجوعى المشردين، والمشرفين على الموت واجب، وهل يقدّم عاقل - فضلاً عن عالم - السنة على الواجب. وقد أبيح في المخمصة أكل الميتة.. أفلا يباح نقل اﻷضحية.. وأوقف عمر حد السرقة في المجاعة.. ألا يشرع نقل الأضحية لمن يترقبها جوعًا, ويدفع بها موتا بل-والله الذي شرع الأضحية- لو كان شهودها في البيت واجباً، لكان نقلها للجوعى أوجب، فكيف إذا كان شهودها سنة. وأما قول بعض أهل العلم؛ إن نقلها يخرجها عن كونها أضحية، وتصبح صدقة، فلا دليل على ذلك. وعلى فرض صحته، فإن هذه الأضحية التي تحولت إلى صدقة، أنفع بكثير من أن تبقى أضحية، ويكون الانتفاع بها محدوداً، في الوقت الذي يموت فيه الناس جوعاً، ويمكن لهذه الأضحية التي تحولت إلى صدقة أن يَطعمها عشرات الجوعى، والأطفال، واليتامى، والنساء المشردات، وإدخال السرور عليهم خير بكثير من تركهم يائسين. كل هذا؛ على فرض صحة القول بتحول الأضحية إلى صدقة حين نقلها ...وإلا فإن الصواب؛ بقاؤها أضحية لأنه ليس من شروط الأضحية ذبحها في البيت وشهودها، حتى يقال سقط الشرط، فبطل المشروط. فشروط الأضحية؛ النية والزمن المشروع مع شروط المضحى به المعروفة, وما عدا ذلك؛ من ذبح في البيت، وشهود الأضحية.. فلا يعدُ أن يكون سنة، وترك السنة من العمل لا يبطله, كما هو معروف في علم الأصول, ولا أعلم أحداً من أهل العلم السابقين، قال ببطلان الأضحية وتحولها إلى صدقة إذا ضُحي بها في غير مكان صاحبها, أو لم يشهدها صاحبها، ، ولو كان ذلك صحيحاً، لحذرنا منه رسول الله § كما حذرنا من ذبحها قبل وقتها. وهب أن رجلاً كان مسافراً، ووكَّل رجلاً ليذبحها ويدفعها إلى أهله، فهل أضحيته بطلت لأنه لم يشهدها ؟؟؟ ثم إن الأمر المشروع؛ لا يبطله اجتهاد مجتهد، إلا بنص جلي يدل على البطلان، فالبطلان حكم شرعي يحتاج إلى دليل قطعي لا اجتهادي. والمقصود؛ أنه كما لا يجوز لكائن من كان أن يشرّع, فلا يجوز له كذلك؛ أن يبطل شرعا إلا بدليل جلي لا باجتهاد ظني, ولا دليل على ذلك البتة. ثم لو أن رجلاً ذُبحت أضحيته في المسلخ, ودون أن يشهدها.. فهل تقبل منه، أم بطلت لأنه لم يذبحها في بيته، ولم يشهدها؟ وهب أن لرجل أمُّ في بلد آخر، وأرسل لها ثمن الأضحية ليضحي بها في بيت أمه، فهل تبطل بنقلها، وعدم شهودها؟ ثم ما هو تعريف البلد؟ وما هي الحدود التي لا يجوز للمضحي أن يتجاوزها بأضحيته؟ وهل هي الحدود الإدارية.. أم السياسية.. ؟ وما هي المسافة التي يجب عليه ذبحها فيها لتصبح أضحيه ؟ وإذا جاوزها خرجت عن كونها أضحية. فلو كان البلد كبيراً جداً, ونقلت الأضحية ضمن مئات الأميال.. فهل تبطل لطول المسافة؟ ولو كان البلد صغيراً جداً, ونقلت الأضحية أقل من مسافة القصر، لتجاوزت حدود بلده، فهل تبطل لتجاوزها الحدود؟ لا بد من تحديد علة البطلان التي بنوا عليها الحكم ودليلها.. هل هي مجاوزة الحدود..؟ أم طول المسافة؟ أم مكان الذبح؟ وذلك ما يسمى بتخريج المناط كما هو معلوم في أصول الفقه ثم إن الله أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة، ولم يشترط عليهم شروطاً، ولا قيدهم بقيود.. ثم لما ضيقوا على أنفسهم, شدد الله عليهم، فلنحذر أن نفعل مثل فعلهم. وأخيراً: إن قول بعض أهل العلم؛ بمنع خروج الأضحية من البلد, قول اجتهادي لا نص فيه, وما كان كذلك، فلا ينكر عليه.. ولا يسلّم له. وترجع المسألة إلى بقاء الحكم على الأصل، حتى ظهور دليل صحيح صريح؛ ومسألة نقلها تتعلق بمصلحة المسلمين00 فقد منع الرسول ۵ في إحدى السنين الادخار من الأضحية لمصلحة المسلمين، أخرجاه في الصحيحين ورغم أني لا أعلم أحدا من أئمة المسلمين حرم نقلها، أو أبطل حكمها إذا ما انتقلت. فأقل ما يقال فيها؛ أنها مسألة خلافية، والراجح فيها؛ ما ذهب إليه الجمهور من مشروعية نقلها وبخاصة؛ أن الذين أفتوا بذلك هم أكثر وأعلم؛ ومنهم في زماننا؛ الشيوخ ابن باز، والألباني، وابن جبرين رحمهم الله، وغيرهم من أهل العلم كثير.. فقد سئل الشيخ ابن باز رحمه الله: هل يجزئ أن ندفع مبلغًا من المال لشراء أضحية، وذبح ذلك في الخارج للفقراء والمساكين؟ الجواب: لا حرج سواء ذبحها في بيته أو في الخارج، لكن في بيته أفضل، إذا ضحى في بيته وأكل منها ووزع على من حوله كان أفضل تأسيًا بالنبي ﷺ كونه يذبح الضحية في بيته، ويأكل ويُطعم، وإذا أحب أن يذبح ضحايا أخرى في محل فقراء في بلد أخرى فله أجر ذلك؛ لأن هذا من الصدقات(3)،(أي لأن الأضحية تدخل في باب الصدقات). والله تعالى أعلى وأعلم ------------------- (1) رواه أبو داود(3816).وحسنه الالباني (2) رواه الإمام أحمد في مسنده (6593)، وصححه الألباني في " الإرواء " (5/205)))) (3)فتاوى نور على الدرب لابن باز بعناية الشويعر (18/ 207)


تاريخ النشر : 19-08-2018 | التصنيف : الفقه